مراحل تَكَوُّن المهارة

بـــــــسم الله الرحمـــــــن الرحيـــــــم

مقدمة

نحن دائما نتعلم خصوصا في عصر المعلومات الذي أصبحنا فيه فزادت قيمة الأعمال العقلية وبالتالي قيمة التَعَلُّم الفعَّال. ففي عصر المعلومات تقل قيمة المعلومات حيث يسهَل البحث عنها وتزيد قيمة المهارات (أي كيفية تحويل وتوظيف المعلومات إلي شئ مفيد يفيد الناس). فإنك عندما تتقاضي راتبك فذلك لأجل ما عندك من مهارات وليس لمجرد معرفتك لبعض المعلومات التي لا تعلم كيفية استخدامها. إذا سأتحدث إن شاء الله علي مدار عدة مقالات عن مهارات التعلم.

ولكن قبل البدء علينا أن نعرف ما هي مراحل تَكَوُّن المهارة. لماذا؟ لأن لكل مرحلة خطورتها معرفتها ستساعدك في إجتياز هذه المرحلة بنجاح بإذن الله سبحانه وتعالي. وبالتالي تصل لآخر مرحلة من مراحل تَكَوًّن المهارة فتزيد قيمتك ومنفعتك لمن حولك. فدعنا نبدأ

إن للمهارة اربع مراحل

١. مرحلة عدم الوعي بوجود المهارة مع عدم وجود المهارة

٢. مرحلة الوعي بوجود المهارة مع عدم وجود المهارة نفسها

٣. مرحلة الوعي بوجود المهارة مع التدرب علي المهارة أي وجودها نسبيا

٤. مرحلة عدم الوعي بتفاصيل المهارة مع إتقان المهارة. أي أنها أصبحت تلقائية

٥. ثم تعود الدائرة في مهارة أخري. (إذا وصلت إلي القمة فانظر في أي قاع انت) مقولة استاذي عبد الرحمن المكي الذي علمني كثيرا من مهارات التعلم الذاتي جزاه الله عني خيرا و نفعنا الله به و بعلومه و بعلوم مشايخه في الدارين آمين

١. المرحلة الأولي

حتي يمكن ان ننظر لحسن الأخلاق علي انها مهارة فإن اقترنت بنية الاقتداء بسيدنا محمد (صلي الله عليه و علي آله و سلم) إن شاء الله تصبح عبادة. فهناك من يقول انا عصبي مثلا. طاب ما هو ممكن تغير نفسك عادي يعني ما في جانب في الإسلام اسمه التزكية لتهذيب النفس بالتخلي من الرذائل و التحلية بالفضائل فقد جاء به النبي (صلي الله عليه و علي آله و سلم) مثلما جاء بالفقه و العقيدة و له شيوخه و هناك اشياء يجب ان تتوفر في الشيخ قبل ان تتعلم منه لأن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. فهناك من لا يعلم وجود هذا أصلا فيحاول ان يغير في نفسه بطرق غريبة رغم ان عنده الحاجة جاهزة في الإسلام بس هو يجهل ذلك. و علي هذا فقس

كيفية التغلب علي خطورة هذه المرحلة

فلنتغلب علي خطورة هذه المرحلة علينا ان نبحث دائما علي ما ينقصنا لنكمله فدائما نتعلم العلم النافع و نسعي لتطوير انفسنا. فكما ان الشر كثير فالخير كثير ايضا يمكن فوق ما تتخيل و لكن انظر جيدا و اسعي. هذا يأتي من الإحساس بالمسئولية و بمعرفة اننا لم نخلق عبثا. هل نظرت في نفسك و تفكرت فيمن حولك و في كيفية جمال خلق الله سبحانه و تعالي و دقة خلقه. لا تضيع وقتك فيما لا طائل فيضيع عمرك. و اعلم ان الله كريم فإن شاء الله يفتح لك الأبواب الكثيرة و الخير الكثير الذي لا حصر له. اسعي بنظرة جديدة للحياة فكفي ما فات و راقب نفسك

٢. المرحلة الثانية

ثاني مرحلة من مراحل المهارة هي الوعي بوجود المهارة مع عدم امتلاكها و لا السعي للحصول عليها. فإذا كانت المهارة ليست مفيدة اوي بالنسبة لك أو مفيدة و لكن تؤجلها و تضعها في الخطط المستقبلية لوجود اولويات اهم فلا بأس. لكن إذا كان هذا التأجيل تسويف بدون مبرر فهنا المشكلة

إن خطورة هذه المرحلة انها مريحة. إنك تعلم بوجود المهارة و لكن السعي لاكتساب المهارة حتما يتطلب مجهود و بذل في مقابل ما ستمنحه لك هذه المهارة من فوائد. و لكن ما فائدة السعي الذي قمت به لو كنت انت الذي سعيت لمعرفة المهارة؟ و لو لم تسعي و لكن عرفتها قدرا فلما لا تستغل الفرص؟ فالتسويف من أخطر الأشياء

لتتغلب علي هذا التسويف عليك ان تتذكر ثلاثة امور

١. أن غالبا البداية تبدو أصعب مما تكون في الحقيقة. لكن إذا بدأت إن شاء الله ستأخذ قوة دافعة و ستصير الأمور اسهل و بالذات إذا اكتسبت Pomdoroعادة اكتساب المهارات النافعة. و للتغلب علي التسويف هناك طريقة تُسَمَّي بال

٢. أن الألم و الراحة كلاهم سينتهي و لكن إن شاء الله سيبقي عملك الصالح و نفعك للناس إن صححت النية لله سبحانه و تعالي علي مقتضي سنة سيدنا محمد صَلَّي الله عليه و علي آله و سلَّم

٣. ألم البداية ثم الراحة باكتساب المهارة و الاستفادة منها اقل من ألم الندم علي تضييع الفرص التي كانت ستحسن من ادائك فترة عمرك علي هذا الكوكب. فالعمر و الوقت لا يقدران بثمن

٣. المرحلة الثالثة

ثالث مرحلة للمهارة هي الوعي بوجود المهارة مع السعي في تحصيلها أي التمرين المستمر لاكتسابها

خطورة هذه المرحلة هي كثرة الأخطاء و أنها تأخذ وقتا فربما يتعرض الإنسان للإحباط و التوقف إن لم يتمالك نفسه. فيبدو الأمر صعبا و بطيئا مثل تعلم قيادة السيارة و المشي و هكذا

فأشياء كتيرة في الكون بما فيهم الإنسان تريد أن تذهب إلي حالة الراحة و السكون و وجود حيث الطاقة المنخفضة. فالمياه اسهل ان تهبط من اعلي لأسفل و تفقد طاقة و هذه الطاقة يمكن ان نستغلها في توليد الكهرباء. و الكهرباء تسير من الجهد العالي إلي الجهد المنخفض. لكن لرفع المياه تحتاج أن تبذل جهد. و هكذا فهذه طبيعة الأشياء فاعلم نفسك لتعلم كيف يمكن ان تتعامل معها فتسخرها لمراد الله سبحانه و تعالي منك بدلا من أن تسخرك هي لما تريد من أشياء دنيا فتهبط بمستوي إرادتك من الإرادة العليا للإرادة السفلي.

للتغلب علي هذه المرحلة عليك يمكن أن تتذكر التالي: (نأخذ مثال تعلم الطفل للمشي مثلا كتطبيق عملي لبعض النقاط)

١. الاستمرارية. إذا راعيت مستواك و تدربت علي ما يوافقه تدريجيا و لكن تستمر علي هذا إن شاء الله ستكتسب المهارة. فالطفل يحاول دائبا كل يوم و يخطئ و لا يأخذ هذا الخطأ انه عيب و لا يبدو أنه يبالي من ضحك الناس عليه

٢. التدرج. فالطفل لا يتعلم الجري قبل المشي. و يمكن أن يكون هناك سلم تعليمي أو منهج لبعض المهارات فاسأل عنه إن وجد

٣. الإعتقاد. إن اعتقد الطفل أن المشي ليس ممكنا أصلا فلما سيحاول؟ إذا فلا تظن ان اكتساب المهارة مستحيلا

٤. البيئة المحيطة. حاول أن تضع نفسك في بيئة محفزة لاكتساب المهارة و ابعد عن المحبطين الذين يثبطوا الهمم. فتخيل انه كلما قام الطفل ليمشي ضربه أباه او زجره فهل هذا سيكون محفزا له علي الاستمرار؟ و تخيل ابتسام اهله و لعبهم معه و تشجيعهم إياه و تري هل لهذا أثر؟

٥. إن أمكن حاول تقسيم المهارة لأجزاء صغيرة و أتقن كل منها و اعلم أين الخلل لتركز علي ممارسة ما لا تتقن منها فيزيد إتقانك لها بدلا من ممارسة السهل و ترك الصعب غير متقنا له

٦. أن يكون لك مرجع لتصحيح الخطأ. هناك مهارات لا تستطيع أن تصلح من خطأك فيها إلا بمساعدة من عنده المهارة ليحكم عليك و يصحح لك. مثال القراءة الصحيحة للقرآن الكريم. أنا لا أعتقد انك بمجرد سماع القارئ أنك ستنطق النطق صحيحا. فأنا عن نفسي حين كنت أصحح القراءة علي شيخ أكون أحيانا غير مدرك الفرق أو لما نطقي غير صحيح فهو يبدو صحيحا بالنسبة لي قريبا مما نطقه الشيخ و لا أدرك الفرق الدقيق إلا بعد السؤال و شرح الشيخ لي و تعديله علي ثم أحيانا أضطر للبحث عن أين ينبغي أن أضع لساني بشكل صحيح في فيديو عاليوتيوب و هكذا

و أخيرا حاول ان تستمتع بالرحلة فاجعلها ممتعة إن استطعت ليكثر ممارستك للمهارة فتكتسبها و تجني ثمارها إن شاء الله في الدنيا و الآخرة إن صححت النية

.(الممارسة المقصودة أو المُتَعَمَّدَة) Deliberate Practice و يمكنك أن تبحث عن ما يسمي بال

و هذا رابط فيديو لتلخيص كتاب فيه كلام عن هذه (الممارسة المقصودة أو المُتَعَمَّدَة)

٤. المرحلة الرابعة

رابع مرحلة للمهارة هي وجود المهارة مع عدم ضرورة الوعي بتفاصيل المهارة عند ممارستها. أي ان المهارة تم اكتسابها فالإنسان أصبح يفعلها دون ان يركز في التفاصيل. و كإن العملية اصبحت تلقائية او اوتوماتيك. مثل المشي و السواقة مثلا لمن تعلمهما. فالإنسان يمشي دون ان يفكر في كيف سيضع رجله و علي بعد كم سنتيمتر و كيف سيضع رجليه حتي لا يفقد توازنه

هذه المرحلة هي الثمرة و لكن لها خطورة نسبية. فاعلم ان كثير إن لم يكن كل المهارات لها مراحل مختلفة من الإتقان و التمكن. فإذا كنت تريد ان تصل لمرحلة معينة في مهارة و هذا سيكفيك فلا بأس. أما إن كانت هذه المهارة هامة جدا بالنسبة لك و ظننت انك قد انتهيت و اكتسبتها فهنا الخطورة (لا أعلم إن كان هذا في كل المهارات ام لا و لكن أظنه في كثير من المهارات)

فكما قال استاذي عبد الرحمن المكي الذي علمني كثير من مهارات التعلم الذاتي (إذا وصلت إلي القمة فانظر في أي قاع انت). نعم انت اتقنت المهارة و لكن اتقنت المستوي المبتدئ اما بالنسبة للمستوي المتوسط فانت فيه مبتدئ و تحتاج ان تمر بكل مراحل المهارة ثانيا

رأى رجل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وفي يده مَحْبَرَةٌ، فقال له: «يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين»، فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة»

هؤلاء هم الائمة الذين فهموا حقيقة العلم. إذا كان النبي (صلي الله عليه و علي آله و سلم) قال الله تعالي له في القرآن: (و قل رب زدني علما) و هو أعلم الخلق, فما بالك بنا نحن؟

لتتغلب علي خطورة هذه المرحلة من الممكن ان تتذكر التالي

١. الخبرة = ممارسة + تطوير. اعلم ان هناك إمكانية للتطوير في كثير من المهارات. فكم من الناس من لا يتقن عمله أو عمله ليس كما ينبغي و يستطيع ان يكون أكثر إفادة لنفسه و لغيره و لكنه يكتفي بمستواه القليل

٢. إذا ظننت انك وصلت للنهاية فاذهب او حاول ان تتواصل مع أفضل الناس في هذه المهارة و اسألهم إذا كنت فعلا وصلت للنهاية ام لا؟ فإن كان لا فاسألهم عن كيفية التطوير و زيادة مستواك

٣. اجعل من تطوير نفسك في مختلف جوانب حياتك عادة و راقب نفسك و انظر فيما يضيع وقتك و حاول أن تحسن إستغلال فترة وجودك في هذه الدنيا

٤. تطوير نفسك يعتبر تجديد لحياتك فتنظر بعين جديدة. كإن عندك برنامج فيه خواص كتيرة من الممكن أن تعمل به أشياء عظيمة و لكنك لا تستغلها فبالتالي أدائك مش كويس أوي

خاتمة

شكرا لكم. آمل أن يكون هذا المنشور مفيدًا لكم. سأكون شاكِراَ لأي تعليقات إذا احتاج أي شخص إلى مزيد من التوضيحات أو أن يخبرني أي شخص إذا رأى شيئًا خاطئًا في ما  كتبته من أجل تعديله، وسأكون شاكِراَ أيضًا إذا كانت هناك أي إقتراحات للتحسين. نحن بشر، والأخطاء مُتَوَقَّعَة مننا، ولكن يمكننا أيضًا تقليل هذه الأخطاء من خلال التعلم منها والسعي لتحسين ما نقوم به

والله اعلم

سبحانك اللهم و بحمدك اشهد ان لا إله إلا انت استغفرك و اتوب اليك

و صَلَّي الله و سَلَّم و بارَك علي سَيِّدِنا مُحَمَّد و علي آله

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments